أنا طبيب أعمل منذ سنوات في قسم الطب الطبيعي وإعادة التأهيل بمستشفى الماس، كوتاكال. وخلال هذه المدة مرّت أمامي وجوه لا تُحصى: من انقطع رجاؤهم، ومن يلومون القدر، ومن يضعون ثقتهم أحياناً في عودة الأيام...
أنا طبيب أعمل منذ سنوات في قسم الطب الطبيعي وإعادة التأهيل بمستشفى الماس، كوتاكال. وخلال هذه المدة مرّت أمامي وجوه لا تُحصى: من انقطع رجاؤهم، ومن يلومون القدر، ومن يضعون ثقتهم أحياناً في عودة الأيام الطيبة.
جاءتني ذات مرة أمّ ومعها ابنتها ذات العام ونصف العام. وقبل أن تذكر اسمها وبياناتها، وضعت بين يديّ أحمال الحزن التي كانت تكتمها في قلبها. كانت شابة من أهل تريسور في نحو الخامسة والعشرين من عمرها، جاءت ومعها فلذة كبدها الأولى «أمّو». لم يكن في هيئة أمّو تغيّر ظاهر؛ عيناها الواسعتان ووجنتاها المتوردتان كانتا تشبهان تفاحة.
وما إن سألت عن أحوال أمّو حتى انهمر الدمع من عيني تلك الأم. وتحدثت بقلق عن شريك حياتها الذي تركها وهي حامل. ثم انتقلت القصة شيئاً فشيئاً إلى أمّو. وأمامنا اليوم كثير من الأطفال مثل أمّو وكثير من آبائهم وأمهاتهم. فتلك الطفلة لم تكن تُظهر في نموها الجسدي والنفسي ما يناسب عمرها، وقد جرح هذا النقص في المولودة التي طال انتظارها قلب أمّها جرحاً عميقاً.
والتوحّد اسم هذه الحالة التي تختلّ بها الأعصاب فيظهر خلل في نمونا الوجداني. ونسبة الأطفال الذين يمرّون بالتوحّد في العالم اليوم مرتفعة جداً.
وكثيراً ما لا يُظهر الأطفال المصابون بالتوحّد استجابة. فلا يحاولون مناداة الأم أو الأب، ولا الردّ حين يُنادى عليهم، بل يظلّون منغمسين في عالمهم الخاص. وقد لا يُبدون أي تغيّر في تعبيرهم تجاه ما نفعله، ولا يحرصون على تثبيت أنظارهم في أعيننا. وما يصيب هؤلاء الأطفال نوع من القصور الاجتماعي، أي أنهم لا يستطيعون التواصل مع الآخرين تواصلاً كاملاً. وهذا بعينه ما حدث مع أمّو.
وذكرت الأم أن ما تقوله أمّو وما تفعله يتكرّر باستمرار، وأن الضحك وحدها والتصفيق باليدين كانا من عاداتها الثابتة. غير أن إدراك الأمهات لذلك قبل سن الثانية يمكن أن يُحدث تغييراً كبيراً في حال الطفل عمّا كان عليه، وعدم الانتباه إلى ذلك هو ما يصنع التحدي الأكبر في كثير من الأحيان.
وإذا لم يُنتبه إلى الأطفال الأكبر سناً وهم يؤذون أجسادهم فاحتمال وقوع الحوادث كبير؛ فقد يضربون رؤوسهم في الجدار، ويعضّون أيديهم، ويوخزون أعينهم. وعلى الوالدين توخّي الحذر في هذه السلوكيات.
لكن التوحّد ليس مرضاً نفسياً ولا علامة على نقص الذكاء. بل من المعتاد أن يُظهر بعض الأطفال قدرة غير عادية في مجالات بعينها. غير أن حالة «عمى العقل» التي تصيبهم هي التي تُفقدهم القدرة على التفكير والتصرف.
ولهذه الحالة عند الأطفال أسباب كثيرة: تناول الأم للكحول أو المخدرات أثناء الحمل، وكثرة الأدوية الخاطئة المأخوذة في أثنائه، وحمل الأم بعد سن 35 إلى 40، ونقص التغذية الكافية، وصعوبات الولادة، ووجود التوحّد في العائلة أو لدى الوالدين، والتعرّض للإشعاع.
وقد صار من اليومي اليوم أن يقع آباء الأطفال المصابين بالتوحّد وأمهاتهم أسرى لحالات نفسية كالاكتئاب. لذلك فالمطلوب أولاً ليس شفقة الأسرة والمجتمع بل تعاونهما، وإدراك أن التوحّد ليس مرضاً بل حالة. وأول ما ينبغي محوه هو التمييز الراقد في دواخلنا.
وينبغي اكتشاف التوحّد مبكراً وتقديم ما يناسبه من علاجات وبرامج تدريب. وبقوة المجتمع والأسرة معاً وحمايتهما ينبغي أن يكبر كل طفل ليصير مواطناً ناضجاً يقود المجتمع.
لقد تجاوزت أمّو اليوم عامها الثالث، وهي اليوم ابنة ذات نمو نفسي جيد، وصارت أملاً كبيراً لكل هؤلاء الأطفال.
- د. أزهر كلّيات، قسم الطب الطبيعي وإعادة التأهيل، مستشفى الماس، كوتاكال
د. أزهر كاليات